من أول ما يدرسه طالب علوم القرآن التمييزُ بين السور المكية والمدنية؛ فهذا التقسيم مفتاحٌ لفهم مناسبة النزول والتدرج في التشريع، وبه تُعرف مراحل الدعوة الإسلامية الأولى.

والسورة المكية هي التي نزلت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة، والسورة المدنية هي التي نزلت بعدها، سواء نزلت في مكة نفسها أو في غيرها؛ فالعبرة بالزمان لا بالمكان عند جمهور المفسرين.

ونزل أول القرآن في مكة؛ قال تعالى:

{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ}
سورة القدر — الآية 1

فأول ما نزل من القرآن في مكة سورة العلق، ثم تتابع النزول المكي قرابة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وكان الخطاب فيه أعظم اهتمامه بأصول العقيدة.

وقد وصف النبي ﷺ بدء الوحي المكي بقوله:

«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»
رواه البخاري ومسلم

خصائص السور المكية

للسور المكية خصائص تميزها في موضوعها وأسلوبها؛ فكثر فيها الحديث عن توحيد الله وتنزيهه عن الشرك، وإثبات البعث والجزاء، وأحوال يوم القيامة.

وتشتمل السور المكية على قصص الأنبياء ومصارعة أهل الباطل، لأنها نزلت في مرحلة التأسيس التي تحتاج إلى التثبيت بالقصص وبيان سنة الله في الأمم.

وأسلوبها غالبًا قصير العبارات، شديد التوكيد، موجه بالخطاب العام: «يا أيها الناس»، «يا بني آدم»؛ لأن المخاطب يومئذ أهلُ مكة عامة من المؤمن والكافر.

فمن السور المكية: سورة العلق، والمدثر، والمزمل، والقلم، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، ويوسف، والنحل، والكهف، والإسراء، ومريم، ويس، والصافات، وغيرها كثير.

مثال ذلك قوله تعالى في وصف الكتاب المنزل:

{الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ}
سورة إبراهيم — الآية 1

خصائص السور المدنية

وأما السور المدنية فقد نزلت في مرحلة بناء الدولة الإسلامية بعد الهجرة، فكان موضوعها الأكبر في الأحكام والحدود والمعاملات والجهاد.

وخطاب السور المدنية موجّه غالبًا للمؤمنين: «يا أيها الذين آمنوا»، لأن الإسلام أصبح دولةً وأمةً مستقلة تحتاج إلى تنظيم الأحكام الشرعية.

وطالت آياتها عادة، وتضمنت تفصيل الأحكام كالعبادات والميراث والحدود والأسرة والبيع والربا والجهاد والصلح مع العدو.

فمن السور المدنية: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والأحزاب، والفتح، والحجرات، والمجادلة، والممتحنة، والطلاق، والتحريم.

وتأمل قوله تعالى في سورة آل عمران في خطاب المؤمنين:

{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ}
سورة آل عمران — الآية 195

فهذه الآية المدنية تتحدث عن الهجرة والجهاد والقتال ووعد الله بالجنة؛ وهي مواضيع المدنية التي نزلت بعد قيام الدولة في المدينة.

عدد السور المكية والمدنية

اختلف العلماء في عدّ السور المكية والمدنية لوجود سورٍ مختلفٍ فيها؛ والمشهور المعتمد أن السور المكية ست وثمانون سورة، والمدنية ثمانٍ وعشرون سورة، وأن بعض السور فيها آيات مكية وآيات مدنية.

ومن السور المختلف فيها: سورة الفاتحة، وسورة الحج، وسورة الرعد، وسورة الرحمن، وسورة الصافات؛ فإن المفسرين اختلفوا في حكم المكي والمدني منها.

والضابط المشهور أن السور التي فيها «يا أيها الناس» مكية غالبًا، والتي فيها «يا أيها الذين آمنوا» مدنية غالبًا؛ لكنه ضابطٌ غالب لا مطرد.

وقد خوطب النبي ﷺ في السور المدنية بما يناسب مقام تشريع الأحكام؛ قال تعالى:

{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا}
سورة الأحزاب — الآية 1

فائدة معرفة المكي والمدني

معرفة المكي والمدني تثمر فوائد عظيمة في فهم القرآن؛ فمنها معرفة مراحل التدرج في التشريع، ومنها فهم الناسخ والمنسوخ إذا تعارضت آيتان، ومنها تمييز ما نزل قبل الهجرة مما نزل بعدها.

وبهذه المعرفة يتبين للمفسر لماذا اهتمت المكية بالعقيدة ثم أتت المدنية بالأحكام، ولماذا كان الخطاب المكي عامًا والمدني خاصًا بالمؤمنين.

أخطاء شائعة في التمييز بين المكي والمدني

  • الاعتماد على المكان فقط: السورة المكية ليست ما نزل في مكة، بل ما نزل قبل الهجرة؛ فبعض المكي نزل خارج مكة وبعض المدني نزل فيها.
  • القطع في السور المختلف فيها: السور المختلقة كالفاتحة والحج ورد فيها خلاف محرر؛ فلا تجزم بغير دليل.
  • عدّ السور عدًّا مضبوطًا دون إثبات: أعداد المكي والمدني مبينة على قول الجمهور وليست نصًّا توقيفيًا ملزمًا.
  • ما ثبت فعلًا: أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، وأن لكل منهما خصائص وأساليب معلومة — كما بيناه.

خطة عملية: تستفيد من معرفة المكي والمدني

الخطوةما تفعلهالفائدة
1تعرف على السورة التي تقرؤها: مكية أم مدنيةفهم سياقها
2لاحظ الخطاب: يا أيها الناس أم يا أيها الذين آمنوامعرفة مرحلة النزول
3اربط الموضوع بمرحلة الدعوة المكية أو المدنيةفهم التدرج
4راجع كتب علوم القرآن عند الاختلافالدقة

استفد من المحتوى

خلاصة

المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، وللسور المكية خصائص في التوحيد والقصص والخطاب العام، وللمدنية خصائص في الأحكام والجهاد والخطاب للمؤمنين. والمشهور أن المكية ست وثمانون والمدنية ثمانٍ وعشرون مع خلافٍ في بعضها. فاجعل هذه المعرفة عونًا لك على تدبر القرآن وفهم مقاصده، وابدأ بها كلما فتحت مصحفك.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين السور المكية والمدنية؟
المكي ما نزل قبل الهجرة النبوية، والمدني ما نزل بعدها، والعبرة بالزمان لا بالمكان؛ ولكل منهما خصائص في الموضوع والأسلوب والخطاب.
كم عدد السور المكية والمدنية؟
المشهور أن المكية ست وثمانون سورة والمدنية ثمانٍ وعشرون، مع وجود خلاف في عدّ بعض السور كالفاتحة والحج.
ما أبرز خصائص السور المكية؟
العناية بالتوحيد والبعث والقصص، وخطاب «يا أيها الناس»، وقصر الآيات وقوتها؛ لأنها نزلت في مرحلة التأسيس.
ما أبرز خصائص السور المدنية؟
تفصيل الأحكام والحدود والمعاملات والجهاد، وخطاب «يا أيها الذين آمنوا»، وطول الآيات؛ لنزولها في مرحلة بناء الدولة.
لماذا نعرف المكي والمدني؟
لبيان مراحل التدرج في التشريع، وفهم الناسخ والمنسوخ، وإدراك مناسبة الآيات وسياقها في التفسير.