القرآن الكريم محفوظٌ بحفظ الله؛ وعد الله بحفظه وتكفل به، قال تعالى:

{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ}
سورة الحجر — الآية 9

ومن مظاهر هذا الحفظ أن جمع الله لكتابه على عهد الصحابة في مصحفٍ واحد تُرسم عليه الأمة، عُرف بالمصحف العثماني؛ نسبةً إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي أمر بجمع الناس عليه. وفي هذا المقال قصة هذا الجمع ومراحله والرسم الذي وصلنا به.

قبل الجمع: الحفظ والكتابة في عهد النبي ﷺ

في عهد النبي ﷺ كان القرآن يُحفظ في الصدور ويُكتب على الوسائط المتاحة: العسب (عظام الأكتاف) والرقاع (الجلود) واللخاف (الحجارة البيض). وكان النبي ﷺ كلما نزل عليه شيء من الوحي أمر الكتّاب بكتابته، وكان من كتّاب الوحي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم. وهكذا توفر القرآن كله محفوظًا في الصدور وفي الرقاع.

الجمع الأول: عهد أبي بكر الصديق

بعد وفاة النبي ﷺ دارت حرب اليمامة وردة أهلها، واستشهد فيها كثيرٌ من القراء الحفاظ. فجاء عمر بن الخطاب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأشار عليه بجمع القرآن في مصحفٍ واحد خشية ضياعه بذهاب حفاظه.

فأمر أبو بكر زيد بن ثابت رضي الله عنه بالجمع، واعتمد زيد أبلغ أسباب التحري: لم يقبل آيةً إلا بشهادة حفظةٍ وكتّابٍ محفوظةٍ، وبما كان مكتوبًا بين يدي النبي ﷺ، فجمع القرآن في صحفٍ صحيحة مؤيدة. قال زيد:

«فواللهِ لو كلَّفوني نقلَ جبلٍ من الجبالِ ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمعِ القرآنِ»
رواه البخاري 4986

بقي هذا المصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة رضي الله عنهم.

الجمع العثماني: المصحف الإمام

في خلافة عثمان رضي الله عنه اتسع الفتح ودخل الناس في الدين، وانتشرت القراءات على الأحرف السبعة، وسمع الناس الاختلاف في القراءة حتى كاد يقع بينهم الخلاف. فأمر عثمان رضي الله عنه بجمع الناس على مصحفٍ واحد على لغة قريش، وسير نسخٍ منه إلى الأمصار.

فاستدعى من حفصة الصحف، وأمر زيد بن ثابت ومعه من قريش والأنصار (عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص، عبد الرحمن بن الحارث) أن يكتبوها في مصاحف، وقال:

«إذا اختلفتم أنتم وزيدٌ في عربيةٍ من عربيةِ القرآنِ فاكتبوها بلسانِ قريشٍ؛ فإنما نزلَ بلسانِهم»
رواه البخاري 4987

فتم جمع الناس على مصحفٍ واحد، وأُحرقت ما سوى ذلك من النسخ اختلافًا وتفرقًا؛ حفظًا للأمة من الافتراق في الكتاب.

الرسم العثماني

المصحف الإمام كُتب برسمٍ خاصٍ عرف بالرسم العثماني، ومن خصائصه:

  • حذف بعض الألفات مع بقائها في القراءة، مثل «الرحمن» و«كتاب» و«للفقراء».
  • إثبات بعض الياءات في أواخر الكلمات، مثل «بنعمت» و«إني أنا الله».
  • كتابة الهمزة والتاء المربوطة على صورٍ قديمة؛ لأنه رسمٌ ناقل لا قياسٌ فيه.

وهذا الرسم متوارثٌ بالأسانيد عن كتّاب الصحابة، واتباعه في المصاحف سنةٌ متبعة؛ ولا يجوز مخالفته عند كتابة المصحف، لأنه وصولٌ متواتر.

النقط والضبط: ضبط المصحف وعلاماته

بعد دخول كثيرٍ من العجم وانتشار اللحن، احتيج إلى ضبط المصحف:

  • نقط الإعجام: وضع النقط للتمييز بين الحروف المتشابهة، وأُسند إلى أبي الأسود الدؤلي (وإلى غيره)، ثم تطور على يد نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر.
  • الضبط بالشكل: علامات الحركات، وتطورت على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي حتى صارت صورة ما نراه اليوم من فتحة وكسرة وضمة.
  • رموز الفواصل: علامات وقفِ السور مثل دائرة نهاية الآية (۝)، ورموز الوقف المختلفة كـ ﴿مـ﴾ للوقف اللازم و ﴿ج﴾ للوقف الجائز و ﴿ص﴾ للوقف المرخص.

ولا تزاد هذه العلامات إلا وفق الضوابط المعتمدة؛ حتى لا يشتبه الرسم القرآني بغيره.

أخطاء شائعة حول المصحف العثماني

  • الظن أن الجمع العثماني غيّر القراءات: الجمع وحدّ على حرفٍ واحد وقراءةٍ واحدة من الحروف السبعة، ولم يضع حرفًا ولم يزد قراءة.
  • الاعتقاد أن الرسم العثماني خطأً نحويًا: الرسم متوارثٌ عن الصحابة بلسان قريش وله قواعده؛ فلا يرد بقياس.
  • الاستهانة بضبط المصحف: الضبط حمايةٌ من اللحن؛ وقد تطور على أيدي أئمة العلم.
  • تجاهل التحري في النسخ: نسخ المصحف لا يصح إلا من مصحفٍ متوارثٍ بضوابط، وليس بالطباعة الاعتيادية.
  • ما يثبت فعلًا: أن الله تكفل بحفظ الكتاب، وأن الجمع مرّ بمرحلتين (أبي بكر وعثمان)، وأن الرسم العثماني متوارث — بنصوص صحيحة أعلاه.

خطة عملية: اعرف مصحفك

الخطوةما تفعلهالفائدة
1تتبع أثر المصحف عبر التاريختعظيم الكتاب
2تعلم قواعد الرسم العثمانيفهم أوجه القراءة
3تعرف على رموز الضبط والفواصلدقة التلاوة
4احفظ بقراءةٍ على شيخٍ متقنسلامة اللسان

استفد من المحتوى

خلاصة

المصحف العثماني وثيقةُ أمةٍ اجتمع عليها الصحابة تنفيذًا لعد الله بحفظ كتابه: جُمع في عهد أبي بكر بالتحري التام، وجُمع الناس عليه في عهد عثمان بلسان قريش، وكُتب بالرسم العثماني المتوارث، وضُبط بالنقط والشكل بعد ذلك حمايةً من اللحن. من عرف تاريخ مصحفه زاد تعظيمه لكلام ربه، ومن تعلم رسمه وضبطه قرأ كما قرأ الأولون. فاجعل لمصحفك منزلته في بيتك وقلبك.

الأسئلة الشائعة

لماذا سمي بالمصحف العثماني؟
نسبةً إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي أمر بجمع الناس على مصحفٍ واحد وأرسل نسخه إلى الأمصار.
ما الفرق بين الجمع في عهد أبي بكر وعثمان؟
جمع أبي بكر جمعُ أوراق القرآن في مصحفٍ واحدٍ خشية الضياع، وجمع عثمان جمعُ الناس على مصحفٍ واحدٍ لرفع الاختلاف في القراءة.
هل أُحرقت مصاحف الصحابة؟
أمر عثمان رضي الله عنه بإحراق ما خالف المصحف الإمام من النسخ؛ لأن في بقائها بقاءً للخلاف، وفعله ذلك بمشورةٍ من الصحابة وأقروه عليه.
ما الرسم العثماني؟
طريقة كتابة المصحف كما كتبه الصحابة بلسان قريش، وفيه حذف بعض الألفات وإثبات بعض الياءات وغيرها، وهو متوارثٌ عنهم بالأسانيد.
متى وُضع النقط في المصحف؟
في أواخر عهد الصحابة وأوائل التابعين على يد أبي الأسود الدؤلي ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، ثم كمل الضبط على يد الخليل بن أحمد، حمايةً من اللحن مع دخول الأعاجم.