طلب النبي ﷺ من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن، فلما تعجب وقال: «أقرأ عليك وعليك أُنزل؟» أجابه ﷺ: «إني أحب أن أسمعه من غيري» (رواه البخاري 5049 ومسلم 800). وهكذا كان أصحاب رسول الله يتعلمون القرآن ويتأدبون معه — قبل أن يكون «تلاوة» كان «أدبًا» — وأدب التلاوة هو ما نعرضه هنا: طهارة الظاهر والباطن، وترتيل اللسان وحضور القلب، وما يفعله القارئ قبل القراءة وأثناءها وبعدها، كل ذلك بدليله من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
التطهر وحمل المصحف
المسألة الأولى التي يبدأ بها القارئ هي طهارة الجسد والمكان. قال تعالى في صفة الكتاب العزيز:
{لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ}
فجمهور أهل العلم على أن حمل المصحف ومسَّه لا يجوز إلا بطهارة؛ لأن الكتاب الذي عظم الله حرمته يستدعي من ماسّه حرمة وعناية. أما القراءة عن ظهر قلب، أو من الجوال الذي لا يمس فيه القارئ المصحف الورقي، فلها أحكامها الخاصة التي سنبينها في الأسئلة الشائعة.
فائدة: المقصود بالآية عند كثير من المفسرين الملائكة المطهرون، وعند آخرين المتطهرون من بني آدم، والمعنيان متلازمان في تعظيم كتاب الله؛ لذلك قال السلف: لا تمس المصحف إلا وأنت طاهر.
الاستعاذة والبسملة: مفتاح القراءة
أمر الله نبيه أن يفتتح التلاوة بالاستعاذة من الشيطان الرجيم:
{فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ}
والاستعاذة دعاءٌ يستجير به العبد من وسوسة الشيطان وعوارضها قبل الدخول في القراءة، ويستحب بعدها أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم عند البدء بسورةٍ أو آية. وقد اتفق الفقهاء على سنية الاستعاذة لمن أراد القراءة، وفي صيغتها سعة، وأشهرها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
تنبيه: الاستعاذة عند بدء كل قراءةٍ مستحبةٌ على الراجح، ولا يُعدّ تركُها إثمًا، غير أن مواظبةَ القارئ عليها هي هدي النبي ﷺ وفعله.
الترتيل: حقُّ كل حرف
قال تعالى:
{أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا}
فالترتيل: أن يبيّن القارئ الحروف ومراتبها، فلا يعجل عجلة تُسقط شيئًا، ولا يزيد فيما لا يحسن. وقد سئل أنس بن مالك رضي الله عنه: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ قال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم» (رواه البخاري 5046).
وقد نهى النبي ﷺ عن العجلة المضرة بالفهم فقال: «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه» (رواه أبو داود 1394 والترمذي 2949 وصححه الألباني). والمراد الختم الكامل في أقل من ثلاث ليالٍ؛ ففيه تعذيب للسان وإجحاف بالتدبر، لا منعُ الانتفاع بالتلاوة في أيامٍ معدودة.
حضور القلب والتدبر: غاية التلاوة
ما قيمة قراءةٍ لا يفهم القارئ معناها؟ القرآن أنزل ليهتدي به لا ليجري على اللسان مجرى الهذرمة، قال تعالى معاتبًا من غفل عن تدبره:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ}
وقد مدح الله التالين العاملين فقال:
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ}
فالتلاوة المقبولة هي التي تسكن معها القلوب، وتتصور بها الآيات، وتتأثر بها الجوارح؛ فإذا مرّ القارئ بآية رحمة سأل، وبآية عذاب استعاذ، وبآية تسبيح سبح، وكان هذا هدي السلف كما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان أنه صلى مع النبي ﷺ ليلة، فكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ، وإذا مرّ بآية تنزيه سبح (رواه مسلم 772).
الإنصات والاستماع: آداب المستمع
للسماع مثلُ أدب القراءة، فقد أمر الله به:
{وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ}
فالإنصات واجبٌ في الصلاة الجهرية عند أكثر أهل العلم، ومستحبٌ في غيرها؛ ومن تمام الأدب ألا يشتغل المستمع بحديثٍ جانبي، ولا بضجيج المرور، ولا بقراءةٍ موازية تُذهب بركة الاستماع.
وقد كان النبي ﷺ يحب أن يسمع القرآن من غيره، وطلب ذلك صراحة كما في القصة التي صدّرنا بها المقال؛ وحين قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ حتى بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء 4:41) قال ﷺ: «حسبك»، قال ابن مسعود: فإذا عيناه تذرفان (رواه البخاري 5049 ومسلم 800).
تحسين الصوت وتجنب التشويش
من آداب التلاوة الجهرُ بالصوت الجميل من غير غلو ولا تكلف، فقد قال ﷺ: «ما أذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ حسنِ الصوتِ يتغنّى بالقرآنِ يجهَرُ به» (رواه البخاري 5023 ومسلم 792). و«أذِنَ» بمعنى استمع وأصغى؛ فالله سبحانه يحب سماع القرآن بصوتٍ حسن، ولذلك استمع النبي ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري وقال له: «لقد أُعطيتَ مِزمارًا من مزامير آل داود» (رواه البخاري 5048 ومسلم 793).
غير أن هذا الجهر مقيدٌ بأدبٍ لا يجاوزه: ألا يشوش على مصلٍّ أو قارئٍ آخر أو نائمٍ أو طالب علم، وألا يختالَ به صاحبه أو يرائي؛ فالرياء آفة العبادة، وقد قال ﷺ: «من راءى راءى اللهُ به» (رواه مسلم 2987).
أخطاء شائعة في آداب التلاوة
- ❌ العجلة الشديدة في القراءة: التي تُسقط الحروف وتُخفي المعاني؛ قال ﷺ: «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه» (رواه أبو داود 1394 وصححه الألباني).
- ❌ قراءة لا يتابعها قلب: فالمراد تدبر الآيات والسؤال عند مواضع الرحمة والاستعاذة عند مواضع العذاب، كما كان هدي النبي ﷺ.
- ❌ التعبد بقراءات جماعية بصوت واحد: لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، والأمر فيها سعة بين أهل العلم، والأحوط ما جرى عليه عمل السلف من قراءة كلٍّ لنفسه.
- ❌ رفع الصوت بالقراءة في موضع التشويش: كالمسجد عند قارئ آخر، أو البيت وفيه نائمٌ أو مصلٍّ؛ فالقراءة مشروعة والكمال في مراعاة الآخرين.
- ❌ أخذ أحكام «آداب التلاوة» من مصادر غير موثوقة: فقد يختلط الصحيح بالمنقول بلا سند؛ المعيار كتاب الله ثم السنة الثابتة.
- ✅ ما يثبت فعلًا: الطهارة لحمل المصحف، والاستعاذة والبسملة، والترتيل، والتدبر، والإنصات، والجهر بالصوت الحسن بلا تكلف — كل ذلك بنصوص صحيحة بيناها أعلاه.
خطة عملية: وردٌ متقن في كل يوم
الهدف ألا تظل قراءتك عادةً خالية من الروح؛ هذا هو الورد المقترح لتحويل التلاوة إلى مدرسة يومية:
| الخطوة | ما تفعله | مدته التقريبية |
|---|---|---|
| التهيئة | طهارة واستقبال القبلة، واجعل لنفسك مكانًا هادئًا ثابتًا | دقيقتان |
| الاستعاذة | «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ثم البسملة | لحظات |
| القراءة المرتلة | صفحة أو صفحتان بترتيلٍ بين، ولا تجعل السرعة غاية | 15–25 دقيقة |
| التدبر | قف عند آيةٍ تلمسك: اسأل، استعذ، سبح، واجعلها محور يومك | 5 دقائق |
| الختام | محاسبة النفس: ماذا غيّر فيَّ هذا الورد؟ | دقيقتان |
نصيحة التثبيت: اربط وردك بصلاةٍ من صلواتك، وثبّت صفحتك التي وصلت إليها في المفضلة، ولا تنقطع؛ فالقراءة القليلة الدائمة خيرٌ من الكثيرة المنقطعة.
ابدأ وردك الآن: المتابعة في الموقع ←
استفد من المحتوى
- اقرأ القرآن بخط واضح وانتقل بين السور والآيات من المصحف.
- اختر القارئ الذي ترتاح لترتيله من صفحة القراء.
- احفظ آخر آية وصلت إليها في مفضلتك لتعود لاستكمال وردك.
- تعرّف على سورة البقرة وفضلها من مقالنا فضل سورة البقرة.
خلاصة
آداب التلاوة ليست رتوشًا شكلية؛ إنها امتثالٌ لأمر الله في الاستعاذة والترتيل والإنصات، واقتداءٌ بهدي النبي ﷺ في حسن الصوت وطلب السماع، وتهيئةٌ للقلب حتى يخاطبَه القرآن. ابدأ وردك اليوم بطهارةٍ واستعاذةٍ وترتيلٍ وتدبر، وستجد القرآن كما وصفه الله: شفاءً ورحمةً للمؤمنين.